محمد بن محمد ابو شهبة
635
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الكريم ، وليس أدل على هذا من هذه القصة : روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما - واللفظ للبخاري - عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها « 1 » ، فقالوا : وأين نحن من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا « 2 » ! ! وقال اخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ! ! وقال اخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ! ! فجاء إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما واللّه إني لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي « 3 » فليس مني » ) . وفي رواية مسلم : ( فقال بعضهم : لا اكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ) ، وفي الصحيحين أيضا عن سعد بن أبي وقاص قال : ( ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل « 4 » ، ولو أجاز له لاختصينا ) « 5 » . وهذا هو المنهج الوسط ، الذي جاءت به الشريعة الوسط ؛ للأمة الوسط التي هي خير أمة أخرجت للناس . والإسلام ليس دين رهبانية ، فالرهبانية لا تليق بعمارة الكون ، وليست من سنن الأنبياء ، والذين اتبعوا الرهبانية من اليهود والنصارى ابتدعوها من عند أنفسهم ، قال تعالى :
--> ( 1 ) تقالّوها : بتشديد اللام المضمومة : أي استقلوها . ( 2 ) هو قيد لليل لا لأصلي . ( 3 ) السنة : الطريقة المشروعة ، وليس المراد السنة التي تقابل الفرض . ( 4 ) التبتل : ترك النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة . ( 5 ) الاختصاء : نزع الأنثيين حتى يفقد القدرة الجنسية .